أحمد بن محمد مسكويه الرازي

تصدير 17

الحكمة الخالدة ( جاويدان خرد )

سنين جمعة ( أي مجتمعة ) ودرس وأملى وصنف وروى ، فما أخذ مسكويه عنه كلمة واحدة ، ولا وعى مسألة ، حتى كأنه بينه وبينه سد . ولقد تجرع على هذا التوانى الصاب والعلقم ، ومضغ بفمه حنظل الندامة في نفسه ، وسمع بأذنه قوارع الملامة من أصدقائه حين لم ينفع ذلك كله . وبعد ، فهو ذكى ، حسن الشعر ، نقى اللفظ ، وإن بقي فعساه يتوسط هذا الحديث « 1 » ، وما أرى ذلك مع كلفه بالكيمياء وإنفاق زمانه وكد بدنه وقلبه في خدمة السلطان ، واحتراقه في البخل بالدانق والقيراط والكسرة والخرقة ؛ نعوذ باللّه من مدح الجود باللسان وإيثار الشح بالفعل ، وتمجيد الكرم بالقول ومفارقته بالعمل » ( « الامتاع والمؤانسة » ح 1 ص 35 - 36 ) . وواضح ما في الجملة الأخيرة من تعريض بكتب مسكويه في « تهذيب الأخلاق » و « آداب العرب والفرس » ! ويستخلص من هذه الصورة التي رسمها التوحيدي لمسكويه ما يلي : ( 1 ) أن مسكويه لم يكن طويل الباع في الفلسفة النظرية ، ولم يحصل فيها الكثير ، على الرغم من الفرص العظيمة التي أتيحت له من وجود أساتذة ممتازين قيمين بالعلوم الحكمية مثل أبى سليمان المنطقي وأبى الحسن العامري ؛ وهو يعزو ذلك إلى قصور في فهم مسكويه ، ويؤيده في هذا ابن سينا . ( 2 ) أن مسكويه كان حريصا على الدنيا وعلى طلب المال ، وأن هذا هو الذي يفسر اشتغاله بالكيمياء ، وأنه كان بخيلا كل البخل ، حريصا على طلب الدنيا لدى أصحاب السلطان ، غير حر في نفسه ، ولا زاهد في شؤون الحياة . ( 3 ) أن مسكويه كان منافقا : يعظ بما لا يتعظ هو به ، ويدعو إلى أخلاق لا يقوم هو عليها في سلوكه . وهذا الوصف فيما نرجح صحيح في جملته ، يتفق مع الأخبار التي رواها مسكويه نفسه عن نفسه في كتابه « تجارب الأمم » من حيث تعلقه بذوي السلطان والتباهى بخدمتهم .

--> ( 1 ) « وان بقي . . . الحديث » : هذه الجملة غير مفهومة في هذا السياق ، ونحسب أن هنا تحريفا أو نقصا لم يتداركه ناشرا كتاب « الامتاع » على أن هذا الكتاب في الجملة محتاج إلى أن ينشر من جديد نشرة نقدية أمينة .